ابن قتيبة الدينوري
68
عيون الأخبار
عزّى رجل الرشيد فقال : يا أمير المؤمنين ، كان لك الأجر لا بك ، وكان العزاء منك لا عنك . يعزّى أهل نجران بعضهم بعضا بهذا الكلام : لا يحزنكم اللَّه ولا يفتنكم ، أثابكم اللَّه ثواب المتّقين وأوجب لكم الصلاة والرحمة . عزّى بعض الزّبيريّين رجلا فقال : لا يصفر ربعك ( 1 ) ، ولا يوحش بيتك ، ولا يضع أجرك ، رحم اللَّه متوفّاك ، وأحسن الخلافة عليك . قال بعض الشعراء : [ طويل ] أسكَّان بطن الأرض لو يقبل الفدى * فدينا وأعطينا بكم ساكن الظهر ( 2 ) فيا ليت من فيها عليها وليت من * عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر وقاسمني دهري بنيّ بشطره * فلما توفّى شطره مال في شطري ( 3 ) فصاروا ديونا للمنايا ومن يكن * عليه لها دين قضاه على عسر كأنّهم لم يعرف الموت غيرهم * فثكل على ثكل وقبر على قبر وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهم * فلما توفّوا مات خوفي من الدهر ( 4 ) فلله ما أعطى وللَّه ما جزى * وليس لأيام الرّزيّة كالصبر فحسبك منهم موحشا فقد برّهم * وحسبك منهم مسليا طلب الأجر عزّى شبيب بن شيبة ( 5 ) رجلا من اليهود فقال : أعطاك اللَّه على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل ملَّتك .
--> ( 1 ) لا يصفر ربعك : أي لا يخلو . ( 2 ) سكان بطن الأرض : أي الموتى ، وسكان ظهرها : الأحياء . ( 3 ) الشطر : النصف ، يعني عندما استوفى الدّهر شطره مال إلى شطري يتقاسمني فيه . ( 4 ) حيّ الخوف : أي أن حياتي كانت في خوف عليهم . ( 5 ) شبيب بن شبية بن عبد اللَّه التميمي المنقري ، أبو معمر أديب الملوك ، وجليس الفقراء وأخو المساكين ، من أصل البصرة .